مائدة لفردين-الأولى

مساء يوم اثنين خريفي هادئ، خرجا للعشاء في مكان قريب من منزلها، كما جرت العادة في العامين الماضيين.

 و بينما كانت هي  تتصفح قائمة الطعام، فاجأته بفكرة تطاردها مؤخراً. سألته إن كان قد شعر يوماً أن ربما حبهما ما هو إلا محاولة للتعايش مع فترة انتقالية في حياة كل منهما؟ فماذا لو كان كل منهما يحاول تعويض الأمان الذي فقده بشىء أكثر ثبات؟ 

 

فاجاءته تلك الفكرة قليلاً لكنها أثارت اهتمامه. كلاهما كان يمر بوقت دقيق و صعب. الكثيرمن مفترقات الطرق و الكثير من الاختيارات التي تطلب اتخاذ قرارات حاسمة. و لشخص يميل للاستقرار مثله، كان ذلك أكبر من قوة احتماله. لطالما حرص على تجنب الضغوطات في حياته و يسعى دوماً لتقليل الخانات المتغيرة المقلقة.  

 بينما كانت هي العكس تماماً. فهي لا تطمئن إلا لوجود تلك المتغيرات وتنعشها فقط فكرة الاحتمالات. تنجذب لمفترقات الطرق و تشعربالحياة كلما زادت متغيراتها. أرادت أن تصدق أن الحكاية لا زالت تكتب و لا يزال هناك فرصة لفصول اخرى قبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير. و لكن أليست متعة الحكاية مشروطة بانتهائها عند حدث ما؟ فالرحلة تكتمل بتسكين الشخصيات و تصاعد الأحداث حتى بلوغ النهاية. فأي حكاية تلك التي تكتب فصولها بدون توقف؟ 

 معه شعرت أنها ربما تجد راحتها في الاستقرار. و مع مرور الوقت، تتبدل إثارة المتغيرات المرهقة بسعادة المتوقع و طمأنينة الاعتياد. و لربما بتثبيت خانة الحب ستجد الراحة التي لم تلوذ بها أبداً. في الأخير كلاهما لم يعد يحتمل ضغط الاحتمالات.

 

بعد تفكير استغرق بعض الوقت أجابها بهدوء "من الجيد أننا نستطيع أن نسكن آلام وحدتنا بالحب و نعوض فقد الفترات الانتتقالية. ففي النهاية أليست الحياة بذاتها فترة انتقالية؟ 

ردت هي بنبرة لا تخلو من القليل من الغضب، "أهكذا ترى حبنا إذن، و هكذا ترى الحياة، مجرد محاولة للبحث عن مسكنات؟"


فأجاب هو، "لم أقل ذلك. أنا فقط أعني أن هذه هي سنة الحياة..فترة انتقالية ممتدة. الكثير من الاحتمالات المرهقة و القليل من الوقت. في النهاية لن نريد سوى السكن و الطمأنينة لنواجه كل هذا. سنظل دائما في تعب مفترقات الطرق، و لا عيب أن نبحث عمن يشاركنا الرحلة"

 

صمتت فترة لوجود منطق مقنع إلى حد ما في كلامه. مرت بضع ثواني حتى انتبهت لصوت الموسيقى في المطعم التي لاحظتها للتو. التفتت لصوت "الست" المنبعث من مكان بعيد و جذبتها الكلمات كأنها تسمعها لأول مرة.

 

"ابتديت دلوقتي بس أحب عمري..ابتديت دلوقتي بس أخاف لا العمر يجري"

أوقظت الكلمات بداخلها مشاعر قد ظنت أنها نسيتها أو تناستها مع مرور الوقت.

 

"أم كلثوم..!"

"نعم..كانت تذاع عندما أتينا"

"كيف لم انتبه..لطالما عشقت تلك الأغنية بالتحديد" 

ابتسم  و اقترب منها قليلاً ممسكاً بيدها و قال "و أنا أيضاً"

 

شعرت ببرودة في كفها كأن الدم كله انسحب من عروقه. و شعرت بروحها خرجت من جسدها و كأنها تشاهد نفسها من بعيد.

  

"ليه ماقبلنيش هواك يا حبيبي بدري"


نظرت له و قالت "لقد تأخرت. لابد أن أرحل.."


Comments

Popular posts from this blog

أبطال

حجرات

الشعرات البيضاء